الشيخ راضي آل ياسين
292
صلح الحسن ( ع )
لعلك تتفق معي على أنَّ من أدق المقاييس التي توزن بها شخصيات الرجال فيما يضطربون فيه من محاولات ، هو موقفهم من شروطهم التي يأخذونها على أنفسهم راغبين مختارين . وما من انسان معنيّ بإنسانيته يعطي الشرط من نفسه ، الا وانه ليعلم ما يستوبله في شخصيته وفي سمعته وفي ذمامه إذا هو حنث في شرطه أو رجع عن وعده أو نقض ميثاقه الذي واثق على الوفاء به . ومن السهل ان نتصور انساناً يستميت في سبيل الوفاء لقولٍ قاله أو عهدٍ أعطاه ، لأنه انما يموت ضحية خلق رفيع خسر به الحياة المحدودة فربح به الحياة التي لا حدَّ لها ، وبنى - إلى ذلك - لبنةً جديدة في صرح الانسانية المثالية التي لا تفتأ تتعاون على نشر الخير في المجموع . أما ذلك الخائس بعهده الحانث بيمينه الكاذب بمواعيده ، الذي بسم لصاحبه وهو يخادعه على شروطه ، ثم عبس وتولّى وندم على ما أعطى ، فليس من السهل أن نتصوره انساناً ، ولكنه عدو الانسانية بما هدم من قواعدها وشلَّ من مقرراتها ، وعدوّ نفسه بما عرضها للنقمة والاحتقار وسوء السمعة والحرمان من ثقة المجتمع . ولن ينفعه - بعد ذلك - أن يقول أو يقال عنه : ان الغاية تبرر الواسطة - فان هذا الاعتذار بذاته جريمةٌ كاملة لا يتسع لها صدر الغفران . وللغايات - على اختلافها - قيمتها الاعتبارية التي تواضع عليها الناس ، فليكن لكل غايةٍ واسطتها التي تتناسب وغايتها في الاعتبار ، ولن تكون الغاية شريفةً قطُّ الا إذا قامت على وسائط شريفةٍ أيضاً . وكان من الخير العام ، أن يتواضع المجموع منذ بناية المجتمع ، على اعتبار " اليمين " و " العهد " ضماناً في الاخذ والردّ ، وأن تتضافر الأديان